في كثير من مواقع العمل بقطاع البترول، تتكرر مشاهد صامتة لكنها مؤلمة؛ شاب يحمل مؤهلًا عاليًا أو مهندسًا أو حتى حاصلًا على ماجستير ودكتوراه، يعمل بنظام اليومية أو من خلال شركة مقاول، يقضي ساعات طويلة في الحر والمواقع، يتحمل ضغط التشغيل والمخاطر الفعلية، ثم يُعامل وكأنه “درجة أقل” فقط لأنه ليس معينًا رسميًا داخل الشركة.
هذه الفجوة النفسية والاجتماعية أصبحت واحدة من أخطر الأزمات داخل بيئة العمل، ليس فقط لأنها تمس العدالة، بل لأنها تخلق حالة من الاحتقان والإحباط لدى آلاف الشباب الذين يشعرون أنهم يحملون العبء الحقيقي للعمل دون تقدير أو استقرار أو حقوق عادلة.
عمال اليومية.. العمود الحقيقي للتشغيل
الواقع الذي يعرفه الجميع داخل مواقع البترول أن جزءًا كبيرًا من الأعمال الميدانية والتشغيلية يعتمد على عمالة المقاول واليومية.
هؤلاء هم من:
يعملون بالساعات الطويلة،
يتحملون ضغط التشغيل،
ينفذون الأعمال الشاقة،
ويتواجدون في مواقع الإنتاج والصيانة والحفر.
وبينهم:
مهندسون،
خريجو جامعات،
أصحاب خبرات،
بل وحاصلون على درجات علمية عليا.
ورغم ذلك، يبقى كثير منهم بلا استقرار وظيفي أو مزايا حقيقية أو شعور بالانتماء.
أزمة “الطبقية الوظيفية”
المشكلة ليست فقط في فرق الرواتب أو العقود، بل في “ثقافة التعالي” التي ترسخت لدى بعض الإداريين أو المعينين رسميًا، حيث يُنظر أحيانًا إلى عامل اليومية باعتباره أقل قيمة، رغم أن كثيرًا من هؤلاء العاملين هم الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا في سير العمل.
في المقابل، هناك موظفون إداريون لا يقدمون إضافة حقيقية للعمل، وربما يقتصر دور بعضهم على الحضور والانصراف والمهام الورقية المحدودة، ومع ذلك يحصلون على:
الاستقرار،
التأمينات،
العلاج،
الحوافز،
والاحترام الوظيفي الكامل.
بينما يظل العامل الفعلي الذي يحمل عبء التشغيل محرومًا من أبسط الحقوق.
الخطر الحقيقي: تدمير الانتماء
أخطر ما في الأمر ليس الفارق المادي فقط، بل الإحساس النفسي بالدونية والتمييز.
حين يشعر العامل المجتهد أن مجهوده لا يقدَّر، وأن مستقبله غير مضمون، وأن هناك من يتعامل معه بتعالٍ فقط لأنه “مقاول” أو “يومية”، فإن ذلك يقتل:
الانتماء،
الحماس،
الرغبة في التطوير،
والإخلاص للعمل.
ومع الوقت تتحول بيئة العمل إلى بيئة احتقان صامت تؤثر على الإنتاج والاستقرار النفسي والاجتماعي.
القيمة الحقيقية ليست في نوع التعيين
الاحترام داخل أي مؤسسة يجب أن يُبنى على:
الكفاءة،
الإنتاج،
الالتزام،
والأخلاق المهنية،
وليس على نوع العقد أو طريقة التعيين.
فالعامل الذي يكدح يوميًا تحت الشمس أو داخل مواقع التشغيل ليس أقل قيمة من موظف يجلس داخل مكتب مكيف، بل ربما يكون أكثر تأثيرًا وإنتاجًا.
ما المطلوب؟
القضية لا تحتاج إلى صدام، بل إلى:
إعادة تقييم حقيقية لبيئة العمل،
تحسين أوضاع العمالة المؤقتة،
وضع معايير عادلة للترقي والتقدير،
إنهاء ثقافة التفرقة والتعالي،
ومنح المجتهد حقه بغض النظر عن صفته الوظيفية.
كما أن تعزيز العدالة والاحترام داخل المؤسسات ينعكس مباشرة على الإنتاج والاستقرار، لأن العامل الذي يشعر بكرامته يعمل بإخلاص أكبر.
في النهاية
عمالة اليومية والمقاول ليست عبئًا على القطاع كما يتصور البعض، بل هي في كثير من الأحيان القوة الحقيقية التي تتحمل الجزء الأكبر من التشغيل والإنتاج.
والتعامل معهم بتفرقة أو استعلاء لا يهددهم وحدهم، بل يهدد روح العدالة والانتماء داخل بيئة العمل بأكملها.






0 تعليقات